ابن قتيبة الدينوري

31

الإمامة والسياسة ( بيروت )

اللَّه وأخا رسوله ، قال عمر : أما عبد اللَّه فنعم ، وأما أخو رسوله فلا ، وأبو بكر ساكت لا يتكلم ، فقال له عمر : ألا تأمر فيه بأمرك ؟ فقال : لا أكرهه على شيء ما كانت فاطمة إلى جنبه ، فلحق علي بقبر رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم يصيح ويبكي ، وينادي : يا بن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني . فقال عمر لأبي بكر ، رضي اللَّه عنهما : انطلق بنا إلى فاطمة ، فإنا قد أغضبناها ، فانطلقا جميعا ، فاستأذنا على فاطمة ، فلم تأذن لهما ، فأتيا عليا فكلماه ، فأدخلهما عليها ، فلما قعدا عندها ، حولت وجهها إلى الحائط ، فسلما عليها ، فلم ترد عليهما السلام ، فتكلم أبو بكر فقال : يا حبيبة رسول اللَّه ! واللَّه إن قرابة رسول اللَّه أحب إلي من قرابتي ، وإنك لأحب إلي من عائشة ابنتي ، ولوددت يوم مات أبوك أني مت ، ولا أبقى بعده ، أفتراني أعرفك وأعرف فضلك وشرفك وأمنعك حقك وميراثك من رسول اللَّه ، 31 إلا أني سمعت أباك رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم يقول : « لا نورث ، ما تركنا فهو صدقة » ، فقالت : أرأيتكما إن حدثتكما حديثا عن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم تعرفانه وتفعلان به ؟ قالا : نعم . فقالت : نشدتكما اللَّه ألم تسمعا رسول اللَّه يقول : رضا فاطمة من رضاي ، وسخط فاطمة من سخطي ، فمن أحب فاطمة ابنتي فقد أحبني ، ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني ، ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني ؟ » قالا : نعم سمعناه من رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم ، قالت : فإنّي أشهد اللَّه وملائكته أنكما أسخطتماني وما أرضيتماني ، ولئن لقيت النبي لأشكونكما إليه ، فقال أبو بكر : أنا عائذ باللَّه تعالى من سخطه وسخطك يا فاطمة ، ثم انتحب أبو بكر يبكي ، حتى كادت نفسه أن تزهق ، وهي تقول : واللَّه لأدعون اللَّه عليك في كل صلاة أصليها ، ثم خرج باكيا فاجتمع إليه الناس ، فقال لهم : يبيت كل رجل منكم معانقا حليلته ، مسرورا بأهله ، وتركتموني وما أنا فيه ، لا حاجة لي في بيعتكم ، أقيلوني بيعتي . قالوا : يا خليفة رسول اللَّه ، إن هذا الأمر لا يستقيم ، وأنت أعلمنا بذلك ، إنه إن كان هذا لم يقم للَّه دين ، فقال : واللَّه لولا ذلك وما أخافه من رخاوة هذه العروة ما بت ليلة ولي في عنق مسلّم بيعة ، بعد ما سمعت ورأيت من فاطمة . قال : فلم يبايع علي كرم اللَّه وجهه حتى ماتت فاطمة رضي اللَّه عنهما ، ولم تمكث بعد أبيها إلا خمسا وسبعين ليلة [ ( 1 ) ] . قال : فلما توفيت أرسل

--> [ ( 1 ) ] اختلفوا في وفاتها عليها السّلام وكم عاشت بعد النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم ، قال الواقدي :